كشفت نتائج دراسة «في عمق الدوافع – INTO THE WHY» لسنة 2026، التي أنجزها معهد Insights House بشراكة مع وكالة COM&TALK، عن صعود مستهلك مغربي أكثر ثقة في اختياراته اليومية، يتطلع إلى مزيد من الحرية والاستقلالية في رسم مساره الخاص، دون أن يقطع صلته بالقيم والثوابت التي تعكس عمق جذوره الثقافية والاجتماعية. وتضع هذه النتائج المستهلك المغربي أمام معادلة دقيقة: كيف يوفّق بين التعبير عن ذاته والانتماء إلى جماعته؟
محتويات المقال
- الاستقلالية تتصدر سلم القيم بنسبة 73 في المائة
- المفارقة المغربية.. تقاليد راسخة في مقابل استقلالية صاعدة
- التقاليد والحداثة: تعارض أقل وبحث أكبر عن التوازن
- الجماعة تؤثر، لكنها لا تحسم الاختيار
- قراءة الخبراء.. تعايش فريد بين الفرد ومحيطه
- آفاق جديدة للعلامات التجارية ومهنيي التواصل
- منهجية الدراسة: أزيد من 1000 مستجوب وأدوات دولية
- خلاصة.. مستهلك مغربي بين الحرية والانتماء
- أسئلة شائعة حول المستهلك المغربي
الاستقلالية تتصدر سلم القيم بنسبة 73 في المائة
أفاد بلاغ مشترك لـ Insights House وCOM&TALK Agency بأن المستهلك المغربي يتطلع اليوم إلى ممارسة حريته في الاختيار، ويتجه نحو الاستقلالية في تحديد قراراته ورسم مساره الخاص، مع حرصه الكامل على تفادي أي انفصال أو قطيعة عن محيطه المجتمعي.
واحتلّت قيمة الاستقلالية صدارة سلم القيم الجوهرية التي تم قياسها بنسبة 73 في المائة، نظرا لما تتيحه للمستهلك من حرية في الاختيار وآفاق للإبداع، متقدمة بذلك على قيم حسن التعامل التي بلغت 70 في المائة، ثم القيم الإنسانية المشتركة بنسبة 65 في المائة.
ويحمل هذا الترتيب دلالة واضحة: فالاختيار الشخصي لم يعد ترفا ثانويا في نظر المستهلك المغربي، بل أصبح قيمة مركزية توجّه قراراته اليومية، سواء تعلق الأمر بالشراء أو بأسلوب الحياة أو بطريقة إظهار النجاح. وإلى جانب ذلك، تحضر القيم العلائقية (حسن التعامل) والقيم الإنسانية في مرتبة متقدمة، ما يعني أن الفردية الصاعدة ليست فردية منغلقة، بل فردية تتغذى على العلاقات والتواصل.
المفارقة المغربية.. تقاليد راسخة في مقابل استقلالية صاعدة
تبرز هنا مفارقة لافتة؛ فبينما تتصدر الاستقلالية سلم القيم لدى المستهلك المغربي، تظل التقاليد، بما تحمله من عادات وموروث ودين، السمة التي تميزه أكثر من غيرها مقارنة بالنتائج الدولية المعتمدة في الدراسة. فالمقارنة الدولية، التي تشمل 49 دولة وفق مقياس شوارتز للقيم، تظهر أن المغرب يتجاوز المتوسط الدولي بـ17 نقطة في الأهمية التي يوليها للتقاليد، وبـ16 نقطة في قيمة المكانة والسلطة، وبـ13 نقطة في الامتثال للأعراف الاجتماعية.
وتعني هذه الأرقام أن المرجعيات الجماعية لا تتراجع أمام صعود الاستقلالية، بل تتعايش معها. فالطلب على الحرية الفردية لا يُترجم إلى قطيعة مع الموروث، وإنما إلى إعادة قراءته وتفسيره بما ينسجم مع تطلعات المرحلة، في علاقة بين ما هو اقتصادي واجتماعي يمكن تتبعها في تطور سلوك الاستهلاك داخل الأسر المغربية.

التقاليد والحداثة: تعارض أقل وبحث أكبر عن التوازن
يظهر هذا التعايش بشكل واضح في طبيعة العلاقة القائمة بين التقاليد والحداثة، إذ يرى 98 في المائة من المغاربة الذين شملهم الاستطلاع ضرورة صون القيم والتقاليد المغربية، بينما يؤكد 87 في المائة منهم انسجام أنماط الحياة الحديثة مع هذه القيم ذاتها.
وبناء على ذلك، يتجلى التطور لا عبر إلغاء الموروث، بل من خلال إعادة قراءته وتفسيره؛ حيث يطمح المستهلك المغربي إلى إيجاد تقاطع متناغم بين مرجعياته الثقافية وتطلعاته المعاصرة، مع المطالبة بمساحة أكبر من الحرية في اتخاذ اختياراته وتحديد معالم هويته الذاتية.
وتفتح هذه القراءة الباب أمام قراءة اقتصادية أوسع؛ فمن يراقب مؤشرات الاقتصاد المغربي يلاحظ أن قرارات الأسر لم تعد تُبنى فقط على الحاجة، بل على القيمة التي يمنحها الفرد للاختيار نفسه، كما يظهر ذلك في قفزة ثقة الأسر رغم استمرار القلق.
الجماعة تؤثر، لكنها لا تحسم الاختيار
يعكس وزن المحيط الاجتماعي بدوره هذا التحول القائم، حيث يصرح 66 في المائة من المغاربة بأن آراء أقاربهم وأصدقائهم أو معارفهم تؤخذ بعين الاعتبار في قراراتهم الشرائية، غير أن 28 في المائة فقط يعبرون عن اتفاقهم التام مع هذا الطرح، مما يؤكد أن البعد الجماعي يؤثر في صناعة القرار دون أن يحسمه بالضرورة.
ويسري المنطق ذاته على نظرة المجتمع، حيث صرح 37 في المائة فقط من المغاربة بتعديل سلوكهم اليومي تبعا لنظرة الآخرين إليهم. ويتخذ هذا التوجه أبعادا متطابقة في مجالات متعددة؛ ففي الوقت الذي يبدي فيه 52 في المائة حرصهم على مواكبة أحدث الأخبار والمستجدات، اعترف 27 في المائة فقط أن بعض المشتريات والمقتنيات قد تكون وسيلة لإبهار المحيطين بهم، في حين يرى 76 في المائة أن إظهار النجاح بشكل علني يتسبب في جلب ردود فعل سلبية وانطباعات غير محمودة.
وتشير هذه المعطيات إلى أن المستهلك المغربي يميّز بين الانتماء إلى الجماعة، وهو أمر مرغوب فيه، وبين الخضوع الكامل لنظرتها، وهو أمر يتراجع. فالجماعة تظل مرجعا أخلاقيا واجتماعيا، لكنها لم تعد الجهة الوحيدة التي تصدر عنها قرارات الشراء والاستهلاك.
قراءة الخبراء.. تعايش فريد بين الفرد ومحيطه
وفي هذا الصدد، نقل البلاغ عن السيد أيناد بشير، المدير العام لمعهد Insights House، قوله: «يكمن أهم الدروس المستفادة من الدراسة في حالة التعايش الفريدة، حيث تتنامى رغبة الفرد نحو الاستقلالية دون أن تؤدي إلى الانفصال عن محيطه، حيث بات الاهتمام ينصب على التعبير عن الهوية الفردية، مع استمرار صياغة القرارات في إطار بيئي تظل فيه الأعراف الاجتماعية والأنماط الثقافية عناصر جوهرية وهيكلية».
من جهتها، قالت دنيا السقاط، المديرة الشريكة لوكالة COM&TALK: «تظل المرجعيات الثقافية حاضرة بقوة، لكن ينبغي ألا تتحول إلى قالب جامد. ومن هنا، يواجه مهنيو التواصل تحدّي الجرأة على تقديم تصورات جديدة، أكثر مواكبة للعصر وتعبيرا عن الفرد وتطلعاته، مع الحفاظ على صلتها العميقة بالواقع المغربي».
آفاق جديدة للعلامات التجارية ومهنيي التواصل
تدعونا هذه الرؤى إلى تجاوز العديد من الثنائيات التي أصبحت بسيطة للغاية، مثل الفرد مقابل الجماعة، والحداثة مقابل التقاليد، والتفرد مقابل الانتماء. بالنسبة للعلامات التجارية، فإنها تفتح الطريق أمام آفاق تقدّر الاختيار الشخصي والطموح والإبداع والتعبير عن الذات، مع الحفاظ على المعايير الجماعية.
وبالتالي، يمكن للمنصات أن تشجع الجميع على شق طريقهم الخاص، أو تأكيد أسلوبهم، أو القيام بالأمور على طريقتهم الخاصة، أو تحديد النجاح وفق معاييرهم الخاصة. كما تشكل العلاقة بالمكانة الاجتماعية مجالا غنيا يتطلب الاستكشاف، حيث يمكن للجودة أو التصميم أو الابتكار أو الخبرة أو التجربة أو التطور أن تغدو مؤشرات للتميز والتقدير أكثر دلالة من كونها مجرد مؤشرات استعراضية للنجاح.
وبالنسبة للخبراء في قطاع التواصل، يتسع نطاق الصور والتمثلات الذهنية بشكل لافت؛ إذ أضحى من الممكن تسليط الضوء على مزيد من الأشخاص الذين يختارون أو يخلقون فرصهم، أو يأخذون زمام المبادرة وينتهجون مسارات أكثر شخصية، دون عزلهم عن بيئتهم الاجتماعية.
ويكمن الرهان، إلى جانب ما سبق، في تجاوز بعض القوالب المألوفة، دون اختزال القرب من ثقافة المستهلك في المشاهد العائلية نفسها، أو الأدوار الاجتماعية ذاتها، أو مظاهر النجاح المتكررة؛ فأساليب التعبير العصرية يمكن أن تنسجم مع مرجعيات ثقافية راسخة. ويتصل هذا التحول أيضا بعلاقة المستهلك بالدفع الرقمي، كما يبيّن ذلك تنظيم بنك المغرب لعمولات الدفع الإلكتروني لحماية المستهلك وخفض رسوم الأداء بالبطاقات البنكية.
منهجية الدراسة: أزيد من 1000 مستجوب وأدوات دولية
وتتناول دراسة Into the WHY حول المستهلكين المغاربة سنة 2026 الخصائص النفسية للمستهلكين، حيث شملت أزيد من 1000 مغربي ومغربية تتجاوز أعمارهم 18 سنة، ضمن عينة تمثيلية للساكنة المغربية البالغة.
وأُنجز البحث الميداني عبر الهاتف خلال شهر يونيو 2026 لاستكشاف المنظومة القيمية والتطلعات والسلوكيات الاستهلاكية، إضافة إلى طبيعة العلاقة بالعلامات التجارية، بالاعتماد على أدوات معتمدة دوليا في علم النفس، وفي مقدمتها مقياس شوارتز للقيم PVQ ونموذج السمات الخمس الكبرى للشخصية BFI-10. ويستقر هامش الخطأ الأقصى لهذه العينة عند زائد أو ناقص 3,1 نقطة مئوية، بمستوى ثقة يبلغ 95 في المائة.
ويشكل هذا الفصل الأول بداية لسلسلة تتكون من أربع منشورات رئيسية حول دراسة Into the WHY 2026، إذ ترصد الأعداد القادمة زوايا جديدة لشخصية المستهلك المغربي وعلاقته بالعلامات التجارية، من خلال قياس وتقييم حضور 30 علامة تجارية ناشطة في السوق الوطنية.
خلاصة.. مستهلك مغربي بين الحرية والانتماء
يمكن القول إن الرسالة الجوهرية التي تحملها دراسة Into the WHY 2026 هي أن المستهلك المغربي لم يعد كتلة واحدة، بل فردا واعيا يطالب بحرية الاختيار، ويستمد ثقته من قدرته على الموازنة بين تطلعاته الشخصية ومرجعياته الجماعية.
وفي هذا الإطار، يصبح التحدي الحقيقي أمام العلامات التجارية ومهنيي التواصل هو القدرة على مخاطبة هذا المستهلك بلغة تعترف بفرديته دون أن تنفصل عن واقعه الثقافي. فالمكاسب التي راكمها المجتمع المغربي من قيم وانتماء تشكل قاعدة صلبة، لكن تحويلها إلى علاقة ثقة مع العلامات يبقى رهينا بمدى صدق الخطاب التواصلي وقربه من الحياة اليومية للمغاربة، وهو ما تعكسه أيضا مسارات النمو الاقتصادي الوطني.
أسئلة شائعة حول المستهلك المغربي
ما هي دراسة Into the WHY 2026؟ هي دراسة سيكولوجية متخصصة في فهم النفسية الاستهلاكية للمغاربة، من إعداد معهد Insights House بشراكة مع وكالة COM&TALK، وترصد المنظومة القيمية والتطلعات والسلوكيات الاستهلاكية للمستهلك المغربي.
من أنجز الدراسة؟ أنجزتها Insights House بشراكة مع وكالة COM&TALK، اعتمادا على أدوات معتمدة دوليا في علم النفس، أبرزها مقياس شوارتز للقيم PVQ ونموذج السمات الخمس الكبرى للشخصية BFI-10.
ما هي القيمة التي تتصدر سلم القيم لدى المستهلك المغربي؟ تتصدر قيمة الاستقلالية سلم القيم الجوهرية بنسبة 73 في المائة، تليها قيم حسن التعامل بنسبة 70 في المائة، ثم القيم الإنسانية المشتركة بنسبة 65 في المائة.
كيف يتعامل المستهلك المغربي مع التقاليد والحداثة؟ يرى 98 في المائة من المستجوبين ضرورة صون القيم والتقاليد المغربية، بينما يؤكد 87 في المائة منهم انسجام أنماط الحياة الحديثة مع هذه القيم، ما يعني أن التعارض بين التقاليد والحداثة أقل مما هو متوقع.
ما مدى تأثير المحيط الاجتماعي على قرارات الشراء؟ يؤخذ رأي الأقارب والأصدقاء بعين الاعتبار عند 66 في المائة من المغاربة، لكن 28 في المائة فقط يوافقون على ذلك بشكل تام، كما أن 37 في المائة فقط عدّلوا سلوكهم اليومي تبعا لنظرة الآخرين إليهم.
ما حجم العينة ومنهجية الدراسة؟ شملت الدراسة أزيد من 1000 مغربي ومغربية فوق 18 سنة، ضمن عينة تمثيلية للساكنة المغربية البالغة، وأُنجز البحث الميداني عبر الهاتف خلال يونيو 2026، بهامش خطأ أقصى يبلغ زائد أو ناقص 3,1 نقطة مئوية وبمستوى ثقة 95 في المائة.
اقرأ أيضا: قفزة في ثقة الأسر رغم استمرار القلق.. مؤشرات متباينة تكشف واقع الاقتصاد اليومي للمغاربة — واقتصاد المغرب يسجل نموا بـ4,1% نهاية 2025.. أهم الأرقام في 10 نقاط. وللمزيد من التفاصيل الرسمية يمكن الرجوع إلى البوابة الوطنية maroc.ma.
النهار24 – حميد الكمالي ـ تابعوا جديد أخبار النهار24 على : GOOGLE NEWS
هيئة التحرير — النهار 24
جريدة إلكترونية مغربية تصدر على مدار الساعة · alnahar24.com






