spot_img

ذات صلة

جمع

الخطاب الملكي في افتتاح السنة التشريعية.. الملك محمد السادس يدعو إلى منعطف حقيقي

أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، أن...

خطاب افتتاح السنة التشريعية.. الملك محمد السادس يدعو إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى

الملك محمد السادس يوجه خطابا ساميا أمام البرلمان بمناسبة افتتاح السنة التشريعية، داعيا إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى وإلى تفعيل ميثاق اللاتمركز.

الجولة الثانية من مشاورات تشكيل الحكومة.. «البام» والكتلة يقتربان من أغلبية 207 مقاعد

الجولة الثانية من مشاورات تشكيل الحكومة تشهد لقاءات مع سبعة أحزاب، وسط ترجيح صيغة تجمع «البام» بأحزاب الكتلة الوطنية بأغلبية من 207 مقاعد.

«عزيزي الصغير».. فيلم مغربي يروي رحلة الأخوة والتوحد والتحرر

عزيزي الصغير فيلم مغربي جديد للمخرجة كريمة الكنوني يدخل القاعات السينمائية، في حكاية إنسانية مؤثرة عن الأخوة والتوحد والإعاقة والبحث عن الاستقلال والكرامة.

دورة تكوينية لتأهيل مدربي كرة الطاولة بالمستوى الأول بالدار البيضاء

دورة تكوينية لتأهيل مدربي كرة الطاولة بالمستوى الأول بالدار...

الخطاب الملكي في افتتاح السنة التشريعية.. الملك محمد السادس يدعو إلى منعطف حقيقي

أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، أن الولاية التشريعية والحكومية الجديدة يجب أن تشكل «منعطفا حقيقيا» لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، وذلك في الخطاب الملكي الذي وجهه إلى أعضاء البرلمان بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة.

وجاء الخطاب الملكي في جلسة رسمية بالبرلمان، بحضور ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي أحمد، حيث استهل جلالة الملك كلمته بتقديم التهاني لأعضاء مجلس النواب على ثقة الناخبين.

محتويات المقال

«منعطف حقيقي».. الرسالة المركزية في الخطاب الملكي

وقال جلالة الملك في الخطاب الملكي: «ننتظر أن تشكل الولاية التشريعية والحكومية الجديدة، منعطفا حقيقيا لمواصلة طموح المغرب، كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن وانسجام بين النمو الاقتصادي، وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية».

ويحمل هذا المقطع دلالة مزدوجة في الخطاب الملكي؛ فهو من جهة يثمّن المسار الاقتصادي للمملكة ويضعها في موقع «القوة الصاعدة والموثوقة»، ومن جهة ثانية يربط استمرار هذا المسار بشرط أساسي هو تحقيق التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، أي ألا يبقى النمو معزولا عن انتظارات المواطنين في مختلف الجهات.

ومعنى ذلك أن الخطاب الملكي لا يكتفي بتقدير الحصيلة، بل يحدد معيارا للحكم على أداء المؤسسات المنتخبة والحكومة المقبلة: قدرتها على تحويل المؤشرات الاقتصادية إلى تحسّن ملموس في الحياة اليومية للمغاربة، وإلى تقليص الفوارق بين الجهات والمناطق.

لماذا يُوصف المغرب بـ«القوة الاقتصادية الصاعدة»؟

لم يأتِ توصيف المغرب كقوة اقتصادية صاعدة من فراغ، بل يستند إلى تحولات بنيوية عرفتها المملكة خلال العقدين الأخيرين. فقد راكمت البلاد بنية تحتية متقدمة في الطرق السيارة والمطارات والموانئ والسكك الحديدية فائقة السرعة، وأصبحت قطاعات مثل صناعة السيارات والطيران والطاقات المتجددة والصناعات الغذائية والفلاحة التصديرية ركائز حقيقية للتصدير وخلق فرص الشغل.

وإلى جانب ذلك، منحت الاستقرار السياسي والمؤسسي والموقع الجغرافي المتميز للمغرب موقعا خاصا كبوابة نحو إفريقيا وأوروبا، وهو ما جعل المملكة وجهة مفضلة للاستثمارات الأجنبية، وشريكا موثوقا في عدد من سلاسل القيمة العالمية، خصوصا في صناعة الطائرات وصناعة السيارات الكهربائية.

غير أن التحدي الذي تطرحه هذه المرحلة لا يتعلق بتحقيق نمو إضافي فحسب، بل بجعل هذا النمو قابلا للانتشار على كل الجهات والفئات. وهنا يكتسي الربط بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية أهميته، لأن أي نمو لا يترجم إلى خدمات عمومية أفضل وإلى فرص عمل حقيقية يبقى نموا ناقصا في نظر المواطن.

ويُضاف إلى ذلك بعد السيادة الاقتصادية، وهو ما يفسر التركيز على الأمن المائي والطاقي والغذائي، أي ضمان القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية في الظروف العادية وفي أوقات الأزمات، بدل الاعتماد الكامل على الخارج في مواد حيوية.

الاعتزاز بالمغربيتي.. من «أغلى إحساس» إلى مسؤولية وطنية

واستحضر جلالة الملك ما قاله من منبر البرلمان سنة 2014: «إن أغلى إحساس عندي في حياتي، هو اعتزازي بمغربيتي»، مؤكدا أن هذا الإحساس لم تزده السنوات إلا قوة ورسوخا، وأن المغرب أمة من أعرق الأمم في العالم، يزدهر تحت راية ملكية عريقة من أقدم الملكيات في التاريخ.

وقال جلالة الملك: «ومن حق المغاربة أن يعتزوا بهويتنا الدينية الأصيلة، في ظل إمارة المؤمنين، وبالهوية الحضارية المتميزة، الغنية بتعدد مكوناتها»، مضيفا: «ونعتز أيضا بما حققناه من مكاسب سياسية ودبلوماسية، ومن إنجازات تنموية واقتصادية واجتماعية، غيرت وجه المغرب».

غير أن الخطاب الملكي سرعان ما ينتقل من الاعتزاز إلى المسؤولية، إذ شدد جلالة الملك على أن الاعتزاز بالوطن «ليس من أجل التباهي، والتعبير عن الرضى عن النفس؛ بل هو الحافز الذي يحول الانتماء إلى مسؤولية، والثقة إلى واجب وطني». وهكذا يتحول الاعتزاز في الخطاب الملكي من شعور إلى التزام عملي، ومن خطاب هوية إلى برنامج عمل.

الخطاب الملكي يدعو إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى

وفي سياق عالمي يتسم بتسارع التحولات الجيو-اقتصادية، سجل جلالة الملك أن المغرب انخرط، برؤية واضحة، في دينامية جديدة من الإصلاحات والمشاريع الكبرى، مبرزا أنه إضافة إلى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، «يتعين اليوم إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى».

وحدد الخطاب الملكي مجالات هذه الاستراتيجيات بدقة: الأمن المائي والأمن الطاقي والأمن الغذائي، ثم الإقلاع الصناعي، فالاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي. ويتعلق الأمر بقطاعات تُعتبر اليوم ركائز السيادة الاقتصادية لأي دولة، ولا تُقاس بها قدرة البلدان على الصمود في مواجهة الأزمات فحسب، بل أيضا على التنافس في سلاسل القيمة العالمية.

الخطاب الملكي: الاستراتيجيات الكبرى الجديدة في الأمن المائي والطاقي والغذائي والصناعة والرقمنة والذكاء الاصطناعي
الخطاب الملكي: أبرز الاستراتيجيات الكبرى الجديدة — النهار24

وإلى جانب هذه المجالات، جدد جلالة الملك الدعوة إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية، وتأمين توريد المواد الأساسية. وهي دعوة تحيل إلى دروس السنوات الأخيرة، حين كشفت الأزمات العالمية هشاشة سلاسل التوريد، وأظهرت أن الأمن الاقتصادي لا يقل أهمية عن النمو.

الأمن المائي والطاقي والغذائي.. لماذا الآن؟

يأتي التركيز على الأمن المائي والطاقي والغذائي في وقت تعرف فيه المنطقة ضغطا متزايدا على الموارد الطبيعية. فالمغرب، شأنه شأن بلدان شمال إفريقيا، يواجه إجهادا مائيا هيكليا فرض تسريع بناء محطات تحلية مياه البحر وتوسيع برامج الاقتصاد في الماء وإعادة استخدام المياه العادمة المعالجة.

وفي المجال الطاقي، راكمت المملكة تجربة معتبرة في الطاقات المتجددة، خصوصا الطاقة الشمسية والريحية، وأصبحت من البلدان الرائدة إقليميا في هذا المجال، مع هدف واضح هو تقليص التبعية للطاقات الأحفورية المستوردة وتقوية القدرة التنافسية للصناعة الوطنية.

أما الأمن الغذائي، فيرتبط بالحرص على تأمين المواد الأساسية والرفع من الإنتاج الوطني في القطاعات الفلاحية الاستراتيجية، مع ضبط سلاسل التوزيع والتخزين. وتتقاطع هذه الأبعاد الثلاثة في هدف واحد: تقليل هشاشة الاقتصاد الوطني أمام الصدمات الخارجية.

ولهذا، فإن الحديث عن الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية لا يُقرأ كإجراء ظرفي، بل كجزء من رؤية طويلة المدى تجعل من السيادة الاقتصادية شرطا لاستمرار النمو واستقرار الأسعار في الأسواق الداخلية.

الاحتياطات الاستراتيجية والقطاع الخاص.. فاعل استراتيجي

وفي هذا السياق، أهاب الخطاب الملكي بالقطاع الخاص الوطني للارتقاء إلى «فاعل استراتيجي» في التحول التنموي بالمملكة، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكارا، وأكثر قدرة على خلق فرص الشغل، وعلى الاستثمار والتصدير.

وتكتسي هذه الدعوة أهمية خاصة لأن تحقيق الأمن المائي والطاقي والغذائي والإقلاع الصناعي والرقمي يتطلب استثمارات ضخمة لا تستطيع المالية العمومية وحدها تغطيتها، وهو ما يفسر تركيز الخطاب الملكي على ضرورة أن ينتقل القطاع الخاص من موقع المستفيد من السياسات العمومية إلى موقع الشريك الفاعل في بلورتها وتنفيذها.

الاستثمار العمومي والقطاع الخاص.. أي نموذج اقتصادي للمرحلة؟

خلال السنوات الماضية، اضطلع الاستثمار العمومي بدور محرك رئيسي للنمو، من خلال مشاريع البنيات التحتية والطاقة والماء والمناطق الصناعية. لكن استمرار هذا النموذج بوتيرة مرتفعة يقتضي اليوم مشاركة أوسع للقطاع الخاص، سواء في الاستثمار المباشر أو في صيغ الشراكة مع القطاع العام.

ويحتاج هذا التحول إلى بيئة أعمال محفزة: تبسيط المساطر، وتقليص آجال المعالجة الإدارية، واستقرار الإطار القانوني، وتوسيع فرص الولوج إلى التمويل، خصوصا بالنسبة للمقاولات الصغرى والمتوسطة التي تشكل نسيجا أساسيا في التشغيل.

ويعكس التوجيه إلى القطاع الخاص لكي يصبح فاعلا استراتيجيا هذا التحول في النموذج، إذ ينتقل المطلوب من القطاع الخاص من انتظار الفرص التي تفتحها الدولة إلى المساهمة في خلق هذه الفرص، وفي التصدير والابتكار وتحويل نتائج البحث إلى منتجات صناعية.

الشباب في صدارة السياسات العمومية

وأكد جلالة الملك أنه يتعين أيضا وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال وضع تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص، ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

وقال جلالته إن هذا التصور من شأنه أن يعزز «الثقة في قدرتهم على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم، وفي الفرص التي يوفرها لهم، لبناء مستقبل أفضل، في ظل الحرية والكرامة والاستقرار». وتلتقي هذه التوجيهات مع ما سبق أن أكده الخطاب الملكي في مناسبات سابقة من أن قضية الشباب ليست قضية قطاعية، بل قضية مجتمعية شاملة.

اللاتمركز الإداري في الخطاب الملكي.. «لم يعد من المقبول أي تأخير»

واعتبر جلالة الملك أن «الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة، هو العمل الميداني، على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، والعمل على إيجاد حلول واقعية لها»، مشددا على أن النهوض بالتنمية المندمجة وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج يرتبط ارتباطا وثيقا بمسار الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري.

وسجل الخطاب الملكي أن التأخير والاختلالات التي لا تزال تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري «تنعكس سلبا على برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتعيق التجاوب مع الانشغالات الحقيقية للمواطنين»، مؤكدا أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل، في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز».

ويقتضي هذا التفعيل، وفق الخطاب الملكي، نقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية الضرورية من المركز إلى الأقاليم والجهات، ووضع حد للعراقيل التي لا تزال تعيق عمل مؤسسات الجهة، لاسيما من خلال تحديد أكثر وضوحا للاختصاصات، والرفع من مواردها البشرية والمادية.

وشدد جلالة الملك على أنه أصبح من الضروري تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد، لتمكين الجهات من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع. ويُقرأ هذا التوجيه في الخطاب الملكي باعتباره شرطا عمليا لتحويل الجهوية من إطار مؤسسي إلى رافعة فعلية للتنمية الترابية.

ميثاق اللاتمركز الإداري.. ما الذي يقتضيه تفعيله؟

يشكل ميثاق اللاتمركز الإداري الإطار المرجعي لنقل جزء من صلاحيات الإدارة المركزية إلى المصالح اللاممركزة في الأقاليم والجهات، بهدف تقريب القرار من المواطن وتقصير مسارات المعالجة الإدارية للملفات.

ويفترض التفعيل الكامل لهذا الميثاق ثلاثة عناصر مترابطة: نقل الصلاحيات بشكل واضح لا يقبل التأويل، وتوفير الموارد البشرية المؤهلة التي تمكّن المصالح اللاممركزة من ممارسة هذه الصلاحيات فعليا، ثم توفير الموارد المالية الكافية لتنفيذ المشاريع في المستوى الترابي.

ويرتبط هذا المسار بالجهوية المتقدمة، التي تمنح الجهة اختصاصات واسعة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية. ومن دون لاتمركز إداري حقيقي، تبقى الجهة مؤسسة بصلاحيات محدودة وإمكانيات تنفيذ أضعف، وهو ما يجعل التنسيق بين الدولة والجهات عبر آليات التعاقد ضرورة عملية لا خيارا تنظيميا.

الهجرة والشراكة مع إسبانيا.. «اختيار سيادي» لا يقبل الابتزاز

وفي الشأن الخارجي، سجل الخطاب الملكي أن المملكة تمكنت من ترسيخ مكانتها على الصعيد الدولي «كشريك مسؤول وموثوق، يحرص على تنفيذ التزاماته، وينتظر من شركائه نفس التعامل»، مبرزا أن المقاربة المتوازنة التي اعتمدتها بلادنا في تدبير ظاهرة الهجرة أسفرت عن نتائج ملموسة.

غير أن جلالة الملك اعتبر أنه «يجب أن نعترف، بكل شجاعة وموضوعية، بأن النموذج الحالي للتعاون في هذا المجال أصبح متجاوزا، والأزمات المتكررة خير شاهد على ذلك». وبخصوص الشراكة مع إسبانيا، أشار الخطاب الملكي إلى أنها عرفت تطورات مهمة في مختلف المجالات، بما في ذلك محاربة الهجرة غير الشرعية، لكنها تواجه اليوم تحديات كبيرة.

وتتصل هذه التحديات، حسب الخطاب الملكي، ببعض «المقتضيات القانونية المتجاوزة، والقرارات القضائية البعيدة عن الواقع»، التي تحول دون ترحيل الأطفال القاصرين والأشخاص الذين ينتحلون صفة اللجوء، «وتغذي أطماع الشبكات الإجرامية».

وأمام «التصريحات اللامسؤولة، والاستغلال المفضوح لبعض الأوساط السياسية والإعلامية»، شدد جلالة الملك على أن «الشراكة هي اختيار سيادي، والتزام إرادي، ولن تكون أبدا محل أي ضغط أو تهديد أو ابتزاز»، معلنا أن المغرب سيقدم لشركائه وثيقة تتضمن رؤية استراتيجية «واضحة وعملية»، تؤسس لتوجه جديد يعزز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي.

رسالة الخطاب الملكي إلى البرلمانيين: تعاقد أخلاقي

وبعد أن ذكر جلالة الملك البرلمانيين بأن الانتداب البرلماني هو التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربطهم بالمواطنين، دعاهم جلالته إلى أن يكونوا في مستوى هذه المسؤولية الوطنية التي يتحملونها «أمام الله، وأمام المواطنين، وأمام التاريخ».

ويضع هذا المقطع الخطاب الملكي في موقع التوجيه والتحكيم في الآن نفسه، إذ يذكّر المؤسسة التشريعية بأن شرعيتها الانتخابية تقترن بواجبات عملية تجاه الناخبين، وأن المسؤولية التي يتحملها البرلماني لا تُختزل في الانتماء السياسي أو الحضور المؤسسي.

سياق الخطاب الملكي: ولاية ثانية عشرة وحكومة في طور التشكيل

ويأتي الخطاب الملكي في مستهل الولاية التشريعية الثانية عشرة، وفي ظل مشاورات تشكيل الحكومة الجديدة التي تقودها رئيسة الحكومة المعيّنة، والتي لم تُحسم بعد تركيبتها النهائية. كما ينتظر أن يفتتح البرلمان أشغاله بانتخاب رئيس مجلس النواب وتشكيل الفرق النيابية.

وهذا التزامن يمنح الخطاب الملكي بعدا عمليا، إذ يحدد للحكومة المقبلة والبرلمان الجديد أولويات المرحلة، ويرسم المعايير التي سيُقاس بها أداؤهما، من الاستراتيجيات الكبرى إلى اللاتمركز الإداري ومن قضايا الشباب إلى تعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية.

الخطاب الملكي: أبرز المحاور الكبرى في خطاب افتتاح السنة التشريعية
الخطاب الملكي: أبرز المحاور الكبرى — النهار24

ماذا ينتظر المغاربة من الولاية التشريعية الجديدة؟

تتقاطع انتظارات المواطنين في المرحلة المقبلة حول مطالب عملية: فرص عمل للشباب، وجودة الخدمات الصحية والتعليمية، وتحسين الخدمات العمومية في الإدارات المحلية، وتسريع المشاريع التنموية في المناطق التي تشكو من تأخر تراكمي.

وفي هذا السياق، يبدو أن المعيار الذي رسمته التوجيهات الملكية واضح: قياس أداء المؤسسات المنتخبة بمدى قدرتها على تحويل المؤشرات الكلية إلى تحسّن ملموس في الحياة اليومية، وبتقليص الفوارق المجالية بين المدن والقرى وبين الجهات.

ويرتبط هذا الرهان بقدرة البرلمان على الاضطلاع بوظيفته التشريعية والرقابية بشكل فعّال، وبقدرة الحكومة المقبلة على ترتيب الأولويات وتنفيذها في زمن محدد، وهو ما يجعل من التزامات المرحلة اختبارا عمليا لمصداقية الخطاب السياسي أمام المواطنين.

دلالات الخطاب الملكي: قراءة في الرسائل الكبرى

يمكن قراءة الخطاب الملكي على ثلاث طبقات. الطبقة الأولى اقتصادية وتنموية، وتتمثل في الدعوة إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في الأمن المائي والطاقي والغذائي والإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

أما الطبقة الثانية فهي اجتماعية وترابية، وتظهر في الربط بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، وفي التشديد على تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، وعلى وضع قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية.

والطبقة الثالثة سياسية ومؤسسية، وتتجلى في تذكير البرلمانيين بأن الانتداب تعاقد أخلاقي مع المواطنين، وفي تأكيد أن الشراكة الخارجية للمملكة اختيار سيادي لا يقبل الضغط أو الابتزاز. وبهذا المعنى، فإن الخطاب الملكي يقدم إطارا متكاملا للمرحلة المقبلة أكثر مما يقدم قائمة مطالب.

أسئلة شائعة حول الخطاب الملكي

ما هي المناسبة التي جاء فيها الخطاب الملكي؟ جاء الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، في جلسة رسمية بالبرلمان.

ما هي الرسالة المركزية في الخطاب الملكي؟ الرسالة المركزية هي أن الولاية التشريعية والحكومية الجديدة يجب أن تشكل «منعطفا حقيقيا» لمواصلة طموح المغرب كقوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، في توازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية.

ما هي الاستراتيجيات الكبرى التي دعا إليها الخطاب الملكي؟ دعا الخطاب الملكي إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى في الأمن المائي والطاقي والغذائي، والإقلاع الصناعي، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، مع التعجيل بتطوير الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية.

ما هو دور القطاع الخاص في الخطاب الملكي؟ أهاب الخطاب الملكي بالقطاع الخاص الوطني بالارتقاء إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، أكثر مبادرة وابتكارا وقدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.

ماذا قال الخطاب الملكي عن اللاتمركز الإداري؟ شدد الخطاب الملكي على أنه «لم يعد من المقبول أي تأخير أو تماطل» في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بنقل الصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الأقاليم والجهات.

ما هي الرسالة الموجهة إلى البرلمانيين؟ ذكّر الخطاب الملكي البرلمانيين بأن الانتداب البرلماني التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربطهم بالمواطنين، ودعاهم إلى أن يكونوا في مستوى هذه المسؤولية الوطنية.

اقرأ أيضا: خطاب افتتاح السنة التشريعية.. الملك محمد السادس يدعو إلى جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى — والجولة الثانية من مشاورات تشكيل الحكومة. وللمزيد من التفاصيل الرسمية يمكن الرجوع إلى البوابة الوطنية maroc.ma.

خلاصة.. ولاية تشريعية تحت اختبار التنفيذ

يمكن القول إن الرسالة الجوهرية التي حملتها الجلسة الافتتاحية للبرلمان هي أن المرحلة المقبلة ستُقاس بالتنفيذ لا بالنوايا. فالاستراتيجيات الكبرى المعلنة تحتاج إلى قرارات مالية وتشريعية، وميثاق اللاتمركز يحتاج إلى نقل فعلي للصلاحيات والموارد، وقضايا الشباب تحتاج إلى برامج قابلة للقياس لا إلى تصريحات عامة.

وفي هذا الإطار، يصبح التعاقد بين المؤسسات المنتخبة والمواطنين هو المحدد الأساسي للثقة. فالمكاسب التي راكمها المغرب في العقود الأخيرة تشكل قاعدة صلبة، لكن تحويلها إلى قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة، بمعنى يشعر به المواطن في حياته اليومية، يبقى رهينا بقدرة البرلمان والحكومة على ترتيب الأولويات وتنفيذها في الآجال المحددة.

وهكذا تتحول الجلسة الافتتاحية من موعد دستوري إلى محطة سياسية بامتياز، تختبر فيها المؤسسات قدرتها على ترجمة التوجيهات الملكية إلى سياسات عمومية ملموسة، وإلى نتائج قابلة للتحقق في الجهات والمدن والقرى.

الخطاب الملكي: جلالة الملك محمد السادس بمعية ولي العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد
جلالة الملك محمد السادس بمعية ولي العهد الأمير مولاي الحسن والأمير مولاي رشيد — النهار24

النهار24 – حميد الكمالي ـ تابعوا جديد أخبار النهار24 على : GOOGLE NEWS

whatsapp al nahar24

هيئة التحرير — النهار 24
جريدة إلكترونية مغربية تصدر على مدار الساعة · alnahar24.com