قرار هدم قصر بوسكورة : تصميم تجاوز حدود الإلهام ولامس الخط الأحمر الدولي
في عمق الجدل حول قرار السلطات المغربية بهدم ما يعرف اعلاميا بقصر الضيافة في بوسكورة يطفو إلى السطح محور بالغ الأهمية قلما تناولته التحليلات المباشرة وهو البعد المتعلق بالوقاية القانونية والفكرية الدولية كثيرون ركزوا على مخالفات التعمير وشروط الترخيص المحلي لكن القراءة ما بين السطور تكشف عن سبب استراتيجي قد يكون هو الأكثر أهمية وحكمة في القرار الحكومي حماية المغرب من الوقوع في شراك خرق الاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية حقوق التصميم والملكية الفكرية خاصة المرتبطة بالعمارة
من الواضح أن قصر بوسكورة عند منحه التراخيص المحلية تم التعامل معه كمشروع تنطبق عليه الشروط الوطنية دون التبصر الكافي بأن التصميم الذي يستلهم بشكل لافت الواجهات والقباب من معالم عالمية كالكرملين الروسي ربما يكون محميا ضمن منظومات اتفاقيات دولية ولعل أبرزها اتفاقية “برن” لحماية المصنفات الأدبية والفنية واتفاقية “لاهاي” لحماية التصاميم الصناعية واللتان تمنعان نسخ أو استغلال التصميمات الأصلية لأي مبنى يحمل طابعا معماريا فريدا دون إذن أصحاب الحقوق
المفارقة أن المغرب ملتزم فعليا بهذه الاتفاقيات بعد توقيعه على العديد من مذكرات التفاهم مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO ما يجعله مسؤولا قانونيا وأخلاقيا عن أي خرق أو تنازع ناجم عن استنساخ تصاميم تحظى بحماية دولية وبما أن قصر بوسكورة اشتهر بتشابهه المدهش مع الكرملين وغيره من القصور العالمية المحمية هذه الحقوق فإن قرار الهدم رغم أنه جاء لأسباب تراخيص عمرانية ظاهرة يمثل حكمة سياسية وقانونية لتحييد المملكة عن نزاعات محتملة أمام هيئات التحكيم الدولي وحماية للمغرب من دعاوى انتهاك الملكية الفكرية قد تكلف الخزينة العمومية وتحرج المغرب أمام المجتمع الدولي
في المقابل دافع بعض المواطنين عن خيار الاكتفاء بمعاقبة صاحب المشروع بغرامات مالية معتبرين أن الهدم كان إجراء مبالغا فيه ويمكن تعويض الأضرار القانونية دون هدم المبنى وحرمان المدينة من مشروع كان يمكن أن يتحول إلى معلمة اقتصادية أو سياحية ومع ذلك تؤكد المعطيات أن السلطات وجدت نفسها أمام مسطرة قانونية دولية معقدة وفرتها الاتفاقيات الدولية وأن الخيار الأمثل لحماية صورة المغرب من أي أزمة ملكية فكرية كان هو قرار الهدم الاستباقي
هكذا يكون قرار الهدم قد تجاوز مجرد معالجة مخالفة بناء على مستوى محلي ليعكس وعيا استشرافيا بأهمية الاصطفاف مع روح التشريع الدولي واحترام مقتضيات حماية المصنفات المعمارية خطوة تحسب للسلطات كإجراء احترازي يقطع الطريق أمام أية أزمة قانونية من هذا النوع ويحمي صورة المغرب كدولة تحرص على الالتزام بالمعايير الدولية الحديثة في ميدان الملكية الفكرية والهندسة المعمارية
النهار24 – حميد الكمالي – تابعوا جديد أخبار النهار24 على : GOOGLE NEWS



