قضت المحكمة الزجرية بعين السبع بالدار البيضاء، يوم 21 أكتوبر الجاري، بإدانة البروفيسور رشيد شرقاب، طبيب التخدير والإنعاش بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء والمعروف بـ«طبيب الفقراء»، بسنة حبسا نافذا وغرامة مالية قدرها خمسة آلاف درهم، من أجل تهمتي التشهير وانتحال صفة نقابية، في حكم ابتدائي اعتُقل على إثره من داخل قاعة المحكمة رغم متابعته في حالة سراح. وتنقل هذه القضية إلى الواجهة سؤالاً قديماً متجدداً: ما مصير موظف أو طبيب يبلغ عن اختلالات في مرفق عمومي، ثم يجد نفسه متهماً بدل أن يكون شاهداً؟
محتويات المقال
الحكم: سنة نافذة واعتقال داخل القاعة
وبحسب المعطيات المتوفرة حول الملف، فإن هيئة الحكم أصدرت قرارها يوم 21 أكتوبر الجاري، وقضت في حق البروفيسور رشيد شرقاب بسنة حبسا نافذا وغرامة خمسة آلاف درهم، بعد متابعته من أجل التشهير وانتحال صفة نقابية، وهي تهم تختلف تماماً عن الوقائع التي كان يدور حولها النقاش الأصلي داخل المستشفى.
وما جعل القضية تخرج من دائرتها القضائية الضيقة إلى النقاش العام هو تنفيذ الاعتقال داخل قاعة المحكمة، في ملف كان المعني بالأمر يتابع فيه في حالة سراح، وهو إجراء أثار موجة تعليقات وانتقادات من جهات حقوقية اعتبرت أن ما وقع لا يتصل فقط بمسار شخص، بل بإشارة تُوجه إلى كل من يفكر في التبليغ عن اختلالات داخل مرفق عمومي.
ويبقى هذا الحكم ابتدائياً، أي أنه قابل للاستئناف، ولا يُعدّ حكماً نهائياً، كما أن قرينة البراءة تظل الأصل إلى حين صدور قرار قضائي بات، وهي معطيات يجب استحضارها في أي قراءة للملف.
من هو «طبيب الفقراء»؟
والبروفيسور رشيد شرقاب أستاذ بكلية الطب وطبيب اختصاصي في التخدير والإنعاش بمستشفى ابن رشد بالدار البيضاء، وشغل مسؤوليات داخل القسم، ويُعرف في محيطه المهني والاجتماعي بلقب «طبيب الفقراء»، وهو لقب لا يُمنح عادة إلا لمن يجعل قربه من المرضى المعوزين جزءاً من ممارسته اليومية.
ويكتسي هذا البعد الرمزي أهمية في القضية، لأن صورة الطبيب في المخيال الجماعي مرتبطة بإنقاذ الأرواح لا بالمساءلة الجنحية، وبالتالي فإن انتقاله من موقع المسؤول عن قسم للإنعاش إلى موقع المتهم في قضية تتعلق بالكلام، جعل الملف يُقرأ على أنه اختبار حقيقي لحدود حرية التعبير داخل المؤسسات الصحية.
التبليغ عن اختلالات ابن رشد.. وشكاية إلى الوكيل العام
وتعود خلفية الملف إلى تبليغ تضمن إشارات إلى اختلالات في تدبير مستشفى ابن رشد، وهو تبليغ يندرج بحسب المعطيات المتداولة في إطار قانون حماية الشهود والمبلغين، وجرى عبر شكاية رسمية إلى الوكيل العام للملك، قبل أن ينطلق البحث بدخول الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على الخط.
ويرتبط بهذا المسار أن المعني بالأمر كان قد أبلغ أيضاً وزارة الصحة عن الاختلالات ذاتها، وهو ما يطرح سؤالاً منطقياً عن مصير هذا التبليغ الإداري، إذ كان المنتظر أن يفتح تحقيقاً داخلياً في الوقائع، لا أن يتحول صاحب التبليغ نفسه إلى متابع أمام القضاء الجنحي، في مسار يُشبه انقلاباً في موقع الأطراف.
ويُدرج هذا النقاش في سياق أوسع يتعلق بالشفافية داخل المستشفيات العمومية، وهو ملف تكررت فيه مطالب بفتح تحقيقات مستقلة، على غرار ما ورد في مقال مستشفى الهاروشي: الصمت يلف تحقيقات في وفاة 9 رضع وفضائح قسم الأمراض، وما يرتبط به من دعوات لإصلاح الحكامة الصحية، كما في مقال نزار بركة: إصلاح المستشفى العمومي رهين بتعزيز العدالة الصحية.
المفارقة القانونية: من نزع الصفة إلى تهمة التشهير
وتقوم المفارقة التي يثيرها المنتقدون على تسلسل إجرائي محدد: تم أولاً نزع الصفة النقابية عن المعني بالأمر، ثم جرى اعتباره متحدثاً بلا صفة، ليصبح ما قاله تشهيراً، أي أن الطريق إلى تهمة التشهير مرّ عبر تهمة انتحال صفة كانت هي المدخل الأول للمتابعة.
ويستند الدفاع عن هذا المسار إلى أن الصفة النقابية تخضع لضوابط التجديد والتمثيل، وأن التحدث باسم هيئة دون تكليف منها يظل خاضعاً للمساءلة، في حين يرى الطرف المقابل أن الصفة النقابية لا تُسقط بالتقادم ولا تنتهي بعدم تجديد مكتب، وأن الأصل هو استمرار الهيئة إلى حين حلها أو صدور حكم قضائي في شأنها.
ويتفرع عن ذلك سؤال قانوني دقيق: هل يُقاس التشهير بالشكل أم بالضرر الفعلي؟ فإذا كان القول موجهاً إلى تدبير المال العام وليس إلى الحياة الخاصة، فإن الموازنة بين حرية التعبير وحق الشخص في صورته تصبح أكثر تعقيداً، وهي الموازنة التي تُحسم عادة داخل قاعة المحكمة، لا في التعليقات على المنصات.
ماذا يعني هذا الحكم لملف المبلغين؟
وقد وجد الملف صدى لدى الفاعلين الحقوقيين، إذ تساءل محمد الغلوسي، ومعه عدد من المتتبعين، عن منطق محاكمة من يبلغ عن الفساد في وقت تبقى فيه الملفات التي بلّغ عنها معلقة دون بت، وهو سؤال يعيد الاعتبار للنقاش حول فعالية قانون حماية الشهود والمبلغين في الممارسة العملية.
وبدأت منظمات حقوقية تطالب بالإفراج عن البروفيسور رشيد شرقاب وفتح تحقيق في الاختلالات المنسوبة إلى تدبير مستشفى ابن رشد، وهو مطلب يضع القضية أمام اختبار مزدوج: حماية كرامة القضاء واستقلاليته من جهة، وضمان ألا يتحول التبليغ عن الفساد إلى مخاطرة شخصية من جهة أخرى.
وأياً كان مآل الاستئناف، فإن ما راكمته هذه القضية هو سابقة نقاشية مهمة، لأنها نقلت موضوع حماية المبلغين من دائرة النصوص إلى دائرة الوقائع، وأظهرت أن المسافة بين تبليغ مشروع وتهمة جنحية قد لا تكون أطول من قرار قضائي واحد.
المصدر: معطيات توصلت بها «النهار 24» من مصادرها حول الحكم الصادر يوم 21 أكتوبر، ومنشورات حقوقية بشأن الملف، مع التأكيد على أن الحكم ابتدائي وقابل للاستئناف، وأن قرينة البراءة تظل قائمة إلى حين صدور قرار نهائي.
أسئلة شائعة حول قضية رشيد شرقاب
ما الحكم الصادر في حق رشيد شرقاب؟ قضت المحكمة الزجرية بعين السبع بالدار البيضاء يوم 21 أكتوبر بسنة حبسا نافذا وغرامة خمسة آلاف درهم، من أجل التشهير وانتحال صفة نقابية.
ما هي خلفية القضية؟ تعود إلى تبليغ عن اختلالات في تدبير مستشفى ابن رشد، تضمن شكاية رسمية إلى الوكيل العام للملك في إطار قانون حماية الشهود والمبلغين، وإبلاغاً لوزارة الصحة.
لماذا أثار الاعتقال جدلاً؟ لأنه نُفّذ داخل قاعة المحكمة رغم أن المعني بالأمر كان يتابع في حالة سراح، وهو ما اعتبرته جهات حقوقية إشارة مقلقة لكل من يفكر في التبليغ عن الفساد.
هل الحكم نهائي؟ لا، هو حكم ابتدائي قابل للاستئناف، وتبقى قرينة البراءة قائمة إلى حين صدور قرار قضائي بات.
ما الذي تطالب به المنظمات الحقوقية؟ الإفراج عن البروفيسور رشيد شرقاب وفتح تحقيق في الاختلالات المنسوبة إلى تدبير مستشفى ابن رشد.
اقرأ أيضا: مستشفى الهاروشي: الصمت يلف تحقيقات في وفاة 9 رضع وفضائح قسم الأمراض — ونزار بركة: إصلاح المستشفى العمومي رهين بتعزيز العدالة الصحية.
النهار24 – حميد الكمالي ـ تابعوا جديد أخبار النهار24 على : GOOGLE NEWS
حميد الكمالي — النهار 24
جريدة إلكترونية مغربية تصدر على مدار الساعة · alnahar24.com




