بركة يعيد ترتيب أجندة الماء.. الأولوية لاستمرارية التزويد وحماية المخزون المائي
النهار24 – حميد الكمالي
تتحرك وزارة التجهيز والماء نحو مرحلة جديدة في تدبير الموارد المائية، عنوانها ضمان استمرارية التزويد وتقليص الارتهان للتقلبات المناخية، من خلال تسريع المشاريع الكبرى، وتنويع مصادر المياه، وحماية المخزون الجوفي، مع إيلاء اهتمام خاص للمناطق القروية التي ما تزال تواجه تحديات مرتبطة بالولوج المنتظم إلى الماء الصالح للشرب.
هذا التوجه برز خلال الاجتماع التنسيقي الذي ترأسه نزار بركة، وزير التجهيز والماء، بالرباط، وجمع مسؤولي القطاع ووكالات الأحواض المائية، بحضور صلاح الدين الذهبي، المدير العام لهندسة المياه، والمديرين المركزيين ومديري مختلف الوكالات.
وعوض الاقتصار على قراءة الوضعية الراهنة للموارد، وضع الاجتماع مختلف مكونات المنظومة أمام مجموعة من الأهداف العملية، في مقدمتها الوصول إلى تأمين التزويد بالماء الصالح للشرب بنسبة 100 في المائة، وضمان الاستجابة لما لا يقل عن 80 في المائة من حاجيات مياه الري.
ويكشف هذان الرقمان عن تحول في طريقة مقاربة الملف. فالتحدي لم يعد انتظار تحسن التساقطات لاستعادة التوازن، بل بناء قدرة مائية تسمح للمملكة بتأمين حاجياتها الأساسية حتى في ظل توالي فترات الجفاف واشتداد آثار التغير المناخي.
ومن هنا جاء تركيز بركة على تسريع إنجاز السدود ومحطات تحلية المياه وباقي المنشآت المائية المبرمجة، مع التشديد على احترام آجال الإنجاز. فالرهان المطروح اليوم يرتبط بمدى قدرة المشاريع الجديدة على الدخول إلى الخدمة في الوقت المحدد وإضافة موارد فعلية إلى المنظومة الوطنية.
ويضع هذا التوجه التحلية في موقع متقدم ضمن معادلة تأمين الماء، إلى جانب السدود والموارد الجوفية، في إطار تنويع مصادر التزويد وتقليص الضغط على الموارد التقليدية.
وخلال الاجتماع، استعرض مسؤولو الأحواض الوضعية المائية بمختلف مناطق المملكة، كما تمت مناقشة ظروف تأمين الماء الصالح للشرب ومياه السقي، فضلا عن تقدم المشاريع المهيكلة التي تشرف عليها الوكالات، بما يجعل المرحلة المقبلة مرتبطة أساسا بسرعة التنفيذ ومعالجة الإكراهات التي يمكن أن تؤخر بعض الأوراش.
لكن أحد أبرز الملفات التي حضرت في توجيهات الوزير يتعلق بالعالم القروي.
فالوصول إلى نسبة 100 في المائة في تأمين الماء الصالح للشرب لا يتعلق فقط بوجود الموارد، وإنما بقدرة شبكات التوزيع على إيصالها إلى السكان أينما وجدوا. ولذلك دعا بركة إلى تعزيز التنسيق مع الشركات الجهوية متعددة الخدمات لمعالجة إشكالية الولوج إلى الماء في المناطق القروية.
وتحمل هذه النقطة بعدا مجاليا واضحا، إذ يصبح الأمن المائي مرتبطا أيضا بتقليص الفوارق بين المدن والقرى، وبين المناطق القريبة من مصادر وشبكات التزويد والمجالات التي تتطلب حلولا خاصة لضمان وصول الماء إليها.
وإلى جانب تعبئة موارد جديدة، فتح الاجتماع ملف حماية ما هو متوفر أصلا.
وفي مقدمة الموارد التي تتطلب حماية أكبر تأتي الفرشات المائية، بعدما شكلت المياه الجوفية خلال فترات الخصاص سندا أساسيا لتأمين حاجيات عدد من المناطق والأنشطة.
بركة دعا في هذا الإطار إلى استكمال عقود الفرشات المائية، بما يسمح بتنظيم استغلال المياه الجوفية والحفاظ على توازنها واستدامتها، انطلاقا من أن تلبية حاجيات اليوم لا ينبغي أن تتم على حساب احتياطات الغد.
هذه المقاربة تجعل الحفاظ على الماء جزءا من سياسة تعبئته، لأن بناء سد جديد أو محطة للتحلية لا يلغي الحاجة إلى عقلنة استغلال الموارد القائمة، خصوصا أمام ارتفاع الطلب المرتبط بالنمو السكاني والأنشطة الاقتصادية والفلاحية.
وفي اتجاه مختلف، حضرت الفيضانات ضمن أجندة الاجتماع، في مفارقة تعكس طبيعة التحدي المائي الذي تواجهه المملكة: تدبير الندرة من جهة، والاستعداد لفائض المياه حين يأتي في فترة زمنية قصيرة من جهة أخرى.
لهذا طالب الوزير بتسريع إنجاز أطلس المناطق المهددة بالفيضانات، حتى تتوفر خريطة دقيقة للمجالات المعرضة للخطر، تمكن من تعزيز الوقاية والاستباق بدل الاقتصار على التدخل بعد وقوع الفيضانات.
فمعرفة المناطق المهددة مسبقا تسمح بأخذ المخاطر بعين الاعتبار عند التخطيط للمشاريع والمنشآت والتوسع العمراني، كما توفر للسلطات والمتدخلين معطيات تساعد على تحديد الأولويات واتخاذ الإجراءات الوقائية لحماية السكان والممتلكات.
وما يجمع هذه الملفات، من التحلية والسدود إلى مياه القرى والفرشات الجوفية والفيضانات، هو محاولة بناء سياسة مائية لا تتحرك فقط تحت ضغط الظرفية، وإنما تستبق التحولات التي يمكن أن تعرفها الموارد خلال السنوات المقبلة.
وهو ما يفسر تشديد بركة على مواصلة تنزيل التوجيهات الملكية المتعلقة بتعزيز السيادة الاستراتيجية للمملكة في مجال الماء، باعتبار الأمن المائي شرطا لاستمرار التنمية وضمان الاستقرار وتأمين حاجيات مختلف القطاعات.
بهذا المعنى، لم يعد نجاح السياسة المائية يقاس فقط بحجم المخزون الموجود داخل السدود، لأن جزءا متزايدا من المعادلة أصبح يوجد خارجها: في محطة تحلية تدخل الخدمة، وفي فرشة جوفية تتم حمايتها، وفي قرية يصل إليها الماء بشكل منتظم، وفي مشروع ينجز في موعده، وفي خريطة تمكن من معرفة خطر الفيضان قبل وقوعه.
وهي عناصر ترسم مجتمعة ملامح المرحلة التي تريد الوزارة الدفع نحوها: الانتقال من تدبير الماء المتوفر إلى ضمان الأمن المائي، ومن التعامل مع الجفاف كحالة طارئة إلى بناء منظومة قادرة على العمل في ظل واقع مناخي متغير.
النهار24 – حميد الكمالي – تابعوا جديد أخبار النهار24 على : GOOGLE NEWS



