spot_img

ذات صلة

جمع

المغرب وفرنسا يعززان شراكتهما الاستراتيجية لتطوير المنظومة الغابوية ومواجهة التحديات البيئية

المغرب وفرنسا يعززان شراكتهما الاستراتيجية لتطوير المنظومة الغابوية ومواجهة...

المغرب يعزز موقعه اللوجستي باحتضان الدورة 13 لمعرض “Logismed”

المغرب يعزز موقعه اللوجستي باحتضان الدورة 13 لمعرض “Logismed” تحت...

توقيف مرتكبي جريمة قتل شيفور طاكسي  بالدار البيضاء .. صحابو في الحرفة

توقيف مرتكبي جريمة قتل شيفور طاكسي  بالدار البيضاء .....

السيادة الإعلامية الممكنة: ما الذي تحقق؟ وما الذي ينتظر؟

السيادة الإعلامية الممكنة: ما الذي تحقق؟ وما الذي ينتظر؟ كيفما...

السيادة الإعلامية الممكنة: ما الذي تحقق؟ وما الذي ينتظر؟

Advertisements

السيادة الإعلامية الممكنة: ما الذي تحقق؟ وما الذي ينتظر؟

كيفما كان الحال، وطموحنا—بطبيعة الحال—أقوى وأوسع من كل حصيلة، فإنه لا يمكن الحديث اليوم عن المشهد الإعلامي العمومي، الذي تمثله الشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة بقيادة فيصل العرايشي، دون استحضار نقطة الانطلاق الحقيقية لهذا القطاع؛ حين كان، إلى عهد قريب، حبيس دواليب وزارة الداخلية، خاضعاً لمنطق إداري صرف تتحكم فيه أعراف السلطة أكثر مما تؤطره قواعد المهنة، حيث لم يكن الإعلام آنذاك سوى امتداد لصوت الدولة، لا فضاءً عمومياً للنقاش والتعدد.

Advertisements

ذلك السياق، بكل ما كان يحمله من انغلاق وضبط صارم للإيقاع الإعلامي، شكّل الخلفية التي انطلقت منها دينامية التحول. ولم يكن القطع مع تلك المرحلة مجرد إجراء تنظيمي أو نقل للاختصاصات، بل كان، في عمقه، تحوّلاً في الفلسفة: من إعلام الوصاية إلى إعلام عمومي يسعى، ولو تدريجياً، إلى بناء مسافة مع السلطة، وإعادة تعريف علاقته بالمجتمع. في هذا المنعطف، برز دور القيادة الجديدة في إعادة ترتيب البيت الداخلي، ليس فقط على مستوى الهيكلة، بل أيضاً على مستوى الرؤية؛ حيث فتح الانتقال من منطق التبعية الإدارية إلى منطق المؤسسة العمومية الباب أمام إمكانيات جديدة، وإن ظلت محكومة بسقف التوازنات. لقد أصبح السؤال المركزي هو: كيف يمكن تحويل هذا المرفق إلى فاعل إعلامي حقيقي، دون أن يفقد طابعه العمومي أو ينفلت من ضوابطه؟

ومن هنا بدأت ملامح مسار إصلاحي يتشكل، عنوانه التحديث التدريجي وتوسيع العرض، والانفتاح على تعددية لغوية وثقافية تعكس غنى المجتمع المغربي. فلم يعد الأمر يتعلق فقط ببث نشرات أو برامج، بل ببناء منظومة إعلامية قادرة على التفاعل مع محيطها واستيعاب تحولات الجمهور، الذي لم يعد يكتفي بالتلقي، بل أصبح شريكاً في صناعة المعنى.

ومع تسارع التحولات الرقمية، دخل الإعلام العمومي مرحلة جديدة فرضت إعادة ترتيب الأدوات والرهانات، من خلال اعتماد تقنيات حديثة في الإنتاج والتوزيع، والانفتاح على المنصات الرقمية بما يعزز الحضور ويمنح المحتوى قابلية أكبر للانتشار والتأثير. وهو ما أسهم في تشكل وعي جديد بدور الإعلام كمنظومة تفاعلية، لا كقناة أحادية الاتجاه. غير أن هذا المسار، رغم ما راكمه من مكتسبات، لم يكن خطياً ولا خالياً من التردد؛ إذ ظل ثقل الإرث المؤسساتي واستمرار بعض أشكال التدخل الحكومي عاملين أساسيين في إبطاء دينامية التحرير وفرض إيقاع حذر على وتيرة الإصلاح، وهو ما جعل التجربة تتحرك في منطقة وسطى بين إرادة الانفتاح وحدود الممكن داخل منظومة عمومية معقدة.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي الإقرار بأن هناك عملاً عميقاً قد أُنجز، سواء على مستوى تأهيل الموارد البشرية، أو تطوير البنيات التقنية، أو تحديث آليات الاشتغال داخل القنوات العمومية، التي أصبحت تشتغل اليوم بمنطق إنتاجي أكثر احترافية، مستفيدة من تقنيات متقدمة في التصوير والمونتاج وإدارة المحتوى، في تحول هادئ لكنه ملموس في بنية المرفق الإعلامي، داخل نسق هيكلي إداري متكامل.

اليوم، ومع الحديث عن أفق إحداث هولدينغ إعلامي، تلوح إمكانية الانتقال إلى مرحلة جديدة قد تكون أكثر حسماً في تكريس السيادة الإعلامية؛ إذ إن إعادة الهيكلة هذه، إذا ما أُحسن تنزيلها، يمكن أن تفتح المجال أمام توحيد الرؤية، وترشيد الموارد، وتعزيز النجاعة، وتوسيع هامش الاستقلالية، بما يسمح للإعلام العمومي بأن يتحول إلى قوة اقتراحية حقيقية، لا مجرد أداة تنفيذ.

وفي النهاية، لا يمكن قراءة تجربة فيصل العرايشي بمنطق الأبيض والأسود، أو تبني خطاب التبئيس أو الاستهداف الشخصي الرديء والمنحط، أحياناً، لرئيس الشركة بخلفيات وأجندات خارجية مكشوفة. فهي تجربة مركبة تحمل في طياتها نجاحات واضحة، ونواقص قائمة، وإكراهات مزمنة؛ لكنها تظل، في جوهرها، محاولة مستمرة لإعادة بناء إعلام عمومي قادر على التفاعل مع زمنه، واستعادة جزء من سيادته في عالم تتنازعه قوى الصورة والمعنى.

ويبقى الرهان الأكبر هو الانتقال من إعلام يُدار إلى إعلام يُبادر ويؤثر، داخل منظومة مؤسسات سيادية متداخلة ومتسقة، معرضة اليوم لحملة تشهير وابتزاز ممنهجة تروم تبخيس وتهديم كل ما تحقق، ولو اقتضى الحال اللجوء إلى أساليب قذرة منسلخة عن كل قيم وطنية أو إنسانية؛ ما يفرض اليقظة لما يُحاك ضد رموزنا ومؤسساتنا، بكثير من الحكمة والحذر، داخل محيط إقليمي ملتبس ومتحول، نحتاج فيه إلى تقوية كل مؤسساتنا السيادية، والاعتراف بالتضحيات التي تُبذل لبناء وتحديث تلك المؤسسات وفق التوجيهات الملكية السامية.

النهار24توفيق ناديريتابعوا جديد أخبار النهار24 على : GOOGLE NEWS

whatsapp al nahar24