أسئلة حول مستقبل الدراما المغربية على شاشة mbc5
لم تكن ولادة تجربة مجموعة ام بي سي في المغرب، عبر بوابة ام بي سي 5 ،مجرد توسّع جغرافي لقناة إقليمية، بل كانت، في لحظة انطلاقها، أشبه بوعدٍ صناعيٍّ جديد: ميزانيات أوفر، تقنيات أحدث، وهوامش أوسع للاجتهاد، بدا وكأن الدراما المغربية وجدت أخيراً من يراهن عليها خارج منطق “الإنتاج المناسباتي”، المرتبط بطلبات العروض ، نحو أفق صناعة مستمرة.
في تلك المرحلة، لم يكن الإبداع صدفة.
فحين أُعطيت الثقة، ظهرت النتائج بعدما قادت شركة سبيكتوب موجةً من الأعمال التي حملت توقيعاً واضحاً، حيث شكّلت سلسلة “دابا تزيان”، ببطولة نزهة الرگراگي ومحمد الجم ،لحظة توازن نادرة بين الكوميديا الراقية والجاذبية الجماهيرية. وتكرّس هذا النفس في أعمال درامية مثل “سلمات أبو البنات”، “شهادة ميلاد”، “ولاد العم”، “بين القصور”، “الحرة”، و“يوم ملقاك”، وصولاً إلى “حياة” التي برزت فيها ابتسام تسكت ،حيث بدا واضحاً أن المنتج المغربي، حين يتحرّر من القيود، لا يقل قدرة عن نظيره في أي سوق إقليمي.
لم تكن هذه الدينامية حكراً على فاعل واحد، فقد أسهمت شركات مثل Image Factory، Ali N، sigma, Media، وغيرها في توسيع دائرة العرض، عبر أعمال مثل “كزا ستريت”، “جروح”، “ولاد المرسى”، و“رحمة”، بل وحتى تجارب ذات صدى إقليمي مثل “الهيبة”.
صحيح أن التفاوت في الجودة كان قائماً، لكنه تفاوت صحي يعكس حيوية السوق، لا اختلاله،غير أن هذا المسار، الذي أوحى بإمكانية تشكّل “مدرسة إنتاجية مغربية” داخل منظومة مجموعة ام بي سي عرف تعطلا و بدأ يفقد زخمه بهدوء. لم يكن التراجع فجائياً، بل تسلل تدريجياً، إلى أن صار ملموساً، خصوصاً في المواسم الرمضانية الأخيرة، حيث غابت الأعمال التي تُحدث النقاش، وحلّت محلها إنتاجات متشابهة، تدور في فلك آمن، بلا مجازفة تُذكر.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل تراجعت القدرة… أم تقلّصت الحرية؟ أم فشل الانتقاء!!!
المعطيات تشير إلى أن التحول لم يكن فنياً بقدر ما هو هيكلي. فقد انتقلت العملية الإنتاجية، في جزء منها، من منطق الشراكة إلى منطق الوساطة؛ حيث أصبحت بعض الشركات تُشرف على التنفيذ من موقع “المنسّق”، بينما تحوّلت شركات مغربية إلى مجرّد ذراع تقنية بلا رؤية. في مثل هذا السياق، لا يعود القرار الإبداعي بيد من يكتب ويصوّر، بل بيد من يموّل ويضبط الإيقاع. وهنا تحديداً، يُختزل الإبداع في “منتج مطابق للمواصفات”، لا “عمل يحمل رؤية”.
وفي خضم هذا التحول، يطفو سؤال مقلق: هل أُقصيت بعض التجارب الرائدة، لأنها كانت أكثر استقلالية؟ أم أن السوق أعاد ترتيب نفسه وفق معايير اخرى ، تُفضّل والتكرار على المغامرة والإبداع ؟
لكن، إذا كان تراجع الجودة قابلاً للنقاش، فإن ملف الحقوق يكاد يكون محسوم الإدانة، فقد اشتغل في هذه الأعمال مئات الفنانين والتقنيين وكتاب السيناريو، غير أن كثيراً منهم ظل خارج منظومة الاستفادة من حقوقه، خصوصاً المرتبطة بالملكية الفكرية. وهنا يتجه النظر إلى المكتب الوطني لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة ،غير أن المؤشرات تفيد بأن الخلل لا يكمن في المؤسسة بقدر ما يرتبط بغياب انخراط فعلي لبعض الجهات المنتجة، وعلى رأسها مجموعة ام بي سي ،في أداء هذه المستحقات كما هو معمول به في تجارب أخرى.
والنتيجة؟ مفارقة صارخة: أعمال ناجحة تُبث وتُعاد وتُسوّق، بينما صُنّاعها لا ينالون سوى أجرهم الأولي، دون أي امتداد حقوقي يوازي قيمة ما قدموه. في هذه النقطة تحديداً، لا يعود النقاش فنياً، بل أخلاقياً ومهنياً.
إن تجربة ام بي سي 5 في المغرب تضعنا أمام معادلة واضحة: لا يمكن بناء صناعة درامية حقيقية دون ثلاثية متلازمة—حرية إبداع، شراكة عادلة، وضمان حقوق. فإذا اختلّ أحدها، اختلّ الباقي بالضرورة.
اليوم، لم يعد السؤال: لماذا تراجع المستوى؟ بل: أي نموذج إنتاج نريد؟
هل نريد دراما تُصنع في مكاتب التخطيط، أم في ورشات الإبداع؟
هل يبقى المنتج المغربي شريكاً، أم يُختزل في منفّذ؟
وهل يمكن أن تستمر تجربة لا تُنصف صُنّاعها؟
بين وهجٍ صنعته الحرية، وخفوتٍ تفرضه القيود، تقف الدراما المغربية عند مفترق طرق. إما أن تستعيد روحها الأولى… أو تكتفي بأن تكون مجرد محتوى عابر في شبكة بثّ أكبر منها.
النهار24 – توفيق ناديري – تابعوا جديد أخبار النهار24 على : GOOGLE NEWS




