الهوكي على الجليد .. جامعة بلا جليد وقوانين على الرف
في الوقت الذي يعيش فيه المغرب نقاشا مجتمعيا متصاعدا حول قضايا الشباب وانسداد الآفاق، وما تفرضه المرحلة من ضرورة تجديد المؤسسات وضخ دماء جديدة في مختلف المجالات، ما تزال بعض العقليات تقاوم التغيير، وتصر على التشبث بالمواقع نفسها لسنوات طويلة، وكأن المسؤولية الرياضية أصبحت امتيازا دائما لا مهمة مؤسساتية محددة بمدد قانونية.
ومن بين أبرز الإشكالات التي تستحق الوقوف عندها، مسألة استمرار بعض رؤساء الجامعات الرياضية في مناصبهم لما يتجاوز ولايتين، أي أكثر من ثماني سنوات، بل إن حالات وصلت إلى خمس ولايات، في وضع يطرح علامات استفهام جدية حول مدى احترام المقتضيات القانونية المنظمة للقطاع.
فالقانون رقم 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة، ولا سيما المادة 23 منه، وضع ضوابط واضحة لاستمرار رئيس الجامعة في منصبه بعد ولايتين، مع استثناء حالات محددة، من بينها وجوده ضمن الهياكل التقريرية للاتحاد الدولي للنوع الرياضي المعني أو ارتباط الأمر بمصلحة عليا سامية.
لكن يبدو أن الإشكال لا يتوقف عند حدود طول مدة المسؤولية، بل يتجاوزها أحيانا إلى عقلية التعامل مع الجامعة الرياضية باعتبارها مجالا خاصا لا مؤسسة عمومية رياضية يفترض أن تخضع للقانون والحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
والحديث هنا يقودنا، بشكل مباشر، إلى جامعة الهوكي على الجليد، التي تطرح تجربتها خلال السنوات الأخيرة أكثر من سؤال حول حصيلة التدبير، وتطور هذه الرياضة، ومدى استفادتها من الإمكانات والموارد المتاحة لها.
فعلى امتداد ما يقارب عقدا من الزمن، ظل اسم الرئيس حاضرا بقوة على رأس الجامعة، في وقت لا تبدو فيه النتائج المحققة، سواء على مستوى توسيع قاعدة الممارسة أو تطوير المنافسات الوطنية أو تحقيق حضور رياضي وازن، متناسبة مع طول فترة تحمل المسؤولية.
والأكثر إثارة للاستغراب أن كل محاولة لإعادة النقاش إلى مساره القانوني والمؤسساتي، خصوصا عندما تتدخل الوزارة من أجل تطبيق المقتضيات المنظمة، تتحول أحيانا إلى مواجهة محتدمة، وسط تبادل للاتهامات والتهديدات والضغوط، بحسب ما يتم تداوله في أوساط المتابعين.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا يصبح تطبيق القانون، كلما اقترب من بعض المسؤولين، مناسبة لإشعال المواجهات بدل أن يكون فرصة لتصحيح المسار وتجديد المؤسسات؟
الأخطر من ذلك هو ما يقال عن محاصرة عدد من الكفاءات والطاقات الشابة التي كان بإمكانها المساهمة في تطوير هذه الرياضة، قبل أن تجد نفسها، في ظل أجواء مشحونة، مضطرة إلى الابتعاد أو البحث عن فرص أخرى، بل إن بعضها اختار مواصلة مساره خارج المغرب.
وهنا لا يتعلق الأمر بشخص أو بمنصب، بقدر ما يتعلق بمبدأ أساسي: الرياضة الوطنية ليست ملكا لأحد، والجامعات الرياضية ليست مجالا مغلقا على أسماء بعينها، بل مؤسسات يفترض أن تتجدد وتفتح أبوابها أمام الكفاءات، وأن تقاس مسؤولياتها بحجم ما تحققه من نتائج وما تقدمه من قيمة مضافة للرياضة المغربية.
وإذا كانت هناك جامعات رياضية تعاني من ضعف النتائج، وغياب المنافسات الوطنية المنتظمة، ومشاكل مرتبطة بالحكامة وتدبير الموارد، فإن استمرار الوضع على حاله يصبح أكثر من مجرد خلل إداري، لأنه يمس مستقبل رياضات يفترض أن تكون جزءا من المشروع الرياضي الوطني.
وفي حالة الهوكي على الجليد، تبرز أسئلة إضافية حول واقع البطولة الوطنية، ووضعية الأندية والجمعيات المنضوية تحت لواء الجامعة، ومدى استيفائها للشروط القانونية، فضلا عن طرق تدبير الموارد المالية والدعم العمومي الموجه إلى هذه الرياضة.
فالأموال العمومية ليست شأنا خاصا، والمنح التي تقدمها الوزارة ليست ملكا لمسؤولي الجامعات، بل هي موارد يفترض أن تخضع لأعلى درجات الشفافية والمراقبة، وأن تنعكس على أرض الواقع في شكل برامج رياضية، وتكوين، ومنافسات، وتجهيزات، وتطوير للمواهب، ونتائج تليق باسم المغرب.
ومن هنا، فإن السؤال الذي أصبح مشروعا اليوم هو: متى تتحرك وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، بقيادة الوزير محمد سعد برادة، بحزم لفرض احترام القانون، والتأكد من سلامة الوضعية القانونية للجامعات الرياضية، وفتح افتحاص جدي في طرق تدبير الدعم العمومي الموجه إليها؟
إن الأمر لا يتعلق بتصفية حسابات مع أشخاص، ولا باستهداف مسؤول بعينه، وإنما بالدفاع عن مبدأ بسيط وواضح: لا يمكن بناء رياضة وطنية حديثة بعقليات تعتبر المناصب دائمة، ولا يمكن الحديث عن الحكامة في الوقت الذي يتم فيه الالتفاف على قواعد التجديد والمحاسبة.
الرياضة المغربية اليوم بحاجة إلى الكفاءات الشابة، وإلى التداول على المسؤولية، وإلى مؤسسات قوية تخضع للقانون، لا إلى جامعات تتحول مع مرور الزمن إلى فضاءات مغلقة يصعب اختراقها أو مساءلتها.
والهوكي على الجليد، كما غيره من الرياضات، يستحق أكثر من ذلك بكثير.
يستحق أن تكون له بطولة وطنية حقيقية، وأندية قوية، وتكوين مستمر، ومواهب تجد من يحتضنها، وإدارة تضع مصلحة الرياضة فوق مصلحة الأشخاص.
أما استمرار الوضع الحالي، إن صحت المعطيات المتداولة، فيحتاج إلى جواب مؤسساتي واضح، لأن السكوت عن الاختلالات، إن وجدت، لا يمكن أن يكون بديلا عن تطبيق القانون.
النهار24 – حميد الكمالي – تابعوا جديد أخبار النهار24 على : GOOGLE NEWS




