كشف ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج، أن الفيتو الروسي الذي حال دون اعتماد مشروع القرار الأمريكي بشأن الصحراء المغربية لم يكن مفاجئا للمغرب، بل أتاح له، وفق المقاربة المغربية، فرصة لإنهاء مرحلة بعثة المينورسو وإعادة النظر في قواعد تدبير الملف داخل الأمم المتحدة، في مفارقة لافتة تجعل البعثة التي انتهت ولايتها برئاسة دبلوماسي روسي هو ألكسندر إيفانكو، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة المينورسو، وهو ما أضفى على التطور دلالة خاصة في مسار التصويت بمجلس الأمن.
محتويات المقال
مفارقة الفيتو.. بعثة أنهت موسكو ولايتها ويرأسها روسي
وأوضح بوريطة، خلال لقاء خاص بثته القناة الثانية «دوزيم»، مساء السبت 31 أكتوبر 2026، أن المغرب كان على علم مسبق باحتمال استخدام روسيا حق النقض ضد مشروع القرار، مؤكدا أن الرباط تعاملت مع هذا الاحتمال وفق مقاربة استباقية تستند إلى التوجيهات الملكية الداعية إلى الانتقال من منطق تدبير النزاع إلى منطق تغيير قواعد التعاطي معه.
وفي معرض حديثه عن هذه المفارقة، توقف وزير الخارجية عند كون المينورسو، التي أصبح استمرار ولايتها موضوعا للتجاذب داخل مجلس الأمن، يرأسها ممثل روسي، معتبرا أن التطور الذي أفرزه الموقف الروسي يفتح الباب أمام طي مرحلة كاملة من عمل البعثة، التي استمرت منذ سنة 1991، وهو السياق الذي سبق أن تناولته جريدة النهار 24 في مقال الديوان الملكي: عدم تمديد المينورسو يطوي 35 سنة ويضع حدا لإحالة ملف الصحراء على مجلس الأمن.
المغرب لم يتفاجأ.. قراءة استباقية للموقف الروسي
وأكد بوريطة أن المغرب لم يتفاجأ بالموقف الروسي، مشيرا إلى أن موسكو أبلغت الرباط بتوجهها، وأن المملكة كانت تدرك مسبقا احتمال استخدام الفيتو. وأضاف أن المغرب لم يتعامل مع هذا الاحتمال باعتباره تهديدا ينبغي تفاديه بأي ثمن، بل فرصة لإعادة النظر في قواعد اللعبة الأممية التي ظلت تؤطر الملف لعقود.
وشدد الوزير على أن الرباط كانت تتطلع إلى قرار واضح وحاسم، يحدد بدقة أسس العملية السياسية، وأرضية المفاوضات، والأطراف المعنية بها، ومآلات المسار التفاوضي، معتبرا أن قرارات الأمم المتحدة ينبغي أن تحمل رسالة سياسية واضحة، بعيدا عن الغموض الذي قد يساهم في استمرار حالة الجمود.
«المغرب لم يتعامل مع احتمال الفيتو باعتباره تهديدا ينبغي تفاديه بأي ثمن، بل فرصة لإعادة النظر في قواعد اللعبة الأممية التي ظلت تؤطر الملف لعقود».
وأوضح أن المغرب كان أمام خيارين: إما تقديم تنازلات وتعديل مضمون القرار لتفادي الفيتو الروسي، أو استثمار هذا التطور لإعادة طرح النقاش بشأن القواعد الأممية التي لم تعد، بحسب تقديره، منسجمة مع التحولات التي عرفها الملف، مؤكدا أن المملكة اختارت المقاربة الثانية، انطلاقا من التوجه الملكي القائم على الانتقال من التدبير إلى التغيير.
11 عضوا دعموا مشروع القرار وثلاثة امتنعوا
وفي قراءته لنتائج التصويت داخل مجلس الأمن، أبرز بوريطة أن مشروع القرار الأمريكي حظي بدعم 11 عضوا، مقابل استخدام روسيا حق النقض، وامتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، معتبرا أن هذه النتيجة تعكس اتساع دائرة الدعم الدولي للمقاربة المغربية، وتؤكد وجود دينامية دولية نحو البحث عن حل سياسي.
واستحضر الوزير في هذا السياق التحولات التي شهدتها العلاقات الثنائية للمغرب مع عدد من القوى الدولية، من بينها الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، إلى جانب دول أوروبية وعربية وإفريقية وأمريكية لاتينية، مؤكدا أن هذا الزخم الدبلوماسي ينبغي أن ينعكس على المسار الأممي، في امتداد للدعم الدولي المتكرر لمبادرة الحكم الذاتي كما في مقال مجلس الأمن الدولي يدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية ويعتبرها الحل الواقعي للنزاع.
لماذا لم تعد المينورسو منسجمة مع واقع الملف؟
وبخصوص مستقبل بعثة الأمم المتحدة في الصحراء «المينورسو»، اعتبر بوريطة أن عدم تمديد ولايتها يشكل تطورا مهما، بالنظر إلى أن الظروف التي أُحدثت في ظلها سنة 1991 لم تعد قائمة بالشكل نفسه، وأن المهام التي أسندت إليها أصبحت، وفق تقديره، متجاوزة ولا تنسجم مع واقع الملف وتطوراته.
وأوضح أن الأمم المتحدة أقرت منذ سنوات بصعوبة تنفيذ خيار الاستفتاء، مستحضرا تصريحات المبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، بشأن عدم قدرة المنظمة على المضي في هذا الخيار، فضلا عن أن عددا من العناصر المرتبطة بالمسار الأصلي للبعثة لم تعد متوفرة، مضيفا أن استمرار وجود آلية أممية مرتبطة بالاستفتاء، في وقت تتجه فيه الدينامية الدولية نحو الحكم الذاتي في إطار السيادة المغربية، يخلق حالة من عدم الانسجام بين واقع سياسي متغير وقواعد أممية موروثة عن مرحلة سابقة.
كما أثار وزير الخارجية مسألة مراقبة وقف إطلاق النار، معتبرا أن استمرار عمل البعثة في ظل عدم التزام أحد الأطراف بهذا الاتفاق يطرح تساؤلات حول جدوى الآلية وقدرتها على أداء المهمة التي أُنشئت من أجلها.
ما بعد الولاية.. مغادرة بمسؤولية ومسار سياسي بأسس واضحة
وفي ما يتعلق بالانعكاسات الميدانية لانتهاء ولاية المينورسو، أوضح بوريطة أن الأمر لا يقتصر على الجانب القانوني والإداري، بل يمتد إلى الحضور المادي والرمزي للبعثة في الأقاليم الجنوبية، بما يشمل عناصرها ومركباتها ومعداتها ومقارها وشعارات الأمم المتحدة. وأشار إلى أن هذا التحول ستكون له دلالات على مستوى الصورة التي ارتبط بها الملف لعقود، سواء من خلال تقارير البعثة أو اجتماعات مجلس الأمن أو الصور القادمة من مخيمات تندوف، وهي عناصر ساهمت في إبقاء النزاع حاضرا باعتباره قضية ذات امتداد دولي، معتبرا أن إنهاء هذا الحضور الرمزي والميداني من شأنه أن يساهم في تغيير تلك الصورة، انسجاما مع التوجه الذي عبر عنه الملك محمد السادس بشأن دخول مسار طي هذا الملف مرحلة جديدة.
وعلى مستوى تداعيات انتهاء الولاية على اجتماعات مجلس الأمن، أوضح الوزير أن الاجتماعات الدورية التي كانت تخصص لمناقشة تجديد ولاية المينورسو والاستماع إلى تقارير الأمين العام وإحاطات المبعوث الشخصي ستفقد أساسها المرتبط بوجود ولاية يتعين تجديدها، مشددا في المقابل على أن ذلك لا يعني انتهاء اختصاص مجلس الأمن في القضايا المرتبطة بالسلم والأمن الدوليين.
وفي توضيحه للجانب القانوني والعملي لهذا التطور، أكد بوريطة أن عدم اعتماد قرار جديد لتمديد الولاية يعني انتهاء المهمة التي كانت تضطلع بها البعثة، غير أن المغرب لن يتعامل مع هذا الوضع بمنطق الطرد أو التصعيد، مبرزا أن المملكة دولة تساهم في عمليات حفظ السلام الأممية، ولها حضور في بعثات دولية، من بينها الكونغو الديمقراطية وإفريقيا الوسطى، ومشددا على أن المغرب يحترم هذه العمليات والعاملين فيها، وسيتعامل مع النتائج القانونية والعملية المترتبة عن انتهاء الولاية بمسؤولية، من خلال توفير الوقت والإمكانيات اللوجستية اللازمة لضمان مغادرة منظمة.
وبشأن مستقبل المسار السياسي الأممي، أوضح بوريطة أن المغرب لم يغلق الباب أمام البحث عن حل سياسي وسلمي للنزاع، لكنه يعتبر أن أي عودة إلى مسار تفاوضي ينبغي أن تستند إلى أسس واضحة ومحددات دقيقة، مؤكدا أن الموقف المغربي يقوم على اعتبار مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الأساس الوحيد للتفاوض، وأن النتيجة المنتظرة تتمثل في حكم ذاتي في إطار السيادة المغربية، مع تحديد الأطراف المعنية بالعملية السياسية، على غرار ما ورد في مقال جمهورية التشيك تدعم مبادرة الحكم الذاتي بالصحراء المغربية وتعتبرها الحل الأكثر واقعية.
كما شدد على أن المملكة لا تعتبر الأمم المتحدة الفضاء الوحيد الممكن لمعالجة النزاعات، مشيرا إلى وجود منظمات إقليمية ومبادرات دولية أخرى يمكن أن تساهم في إيجاد الحلول، مع احتفاظ المغرب بعلاقاته مع المنظمة الأممية وتقديره لدورها، شريطة أن يتم التعاطي مع الملف وفق إطار واضح يواكب التحولات التي عرفتها القضية.
المصدر: تصريحات وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة في لقاء خاص بثته القناة الثانية «دوزيم» مساء السبت 31 أكتوبر 2026.
أسئلة شائعة حول فيتو روسيا وانتهاء ولاية المينورسو
ما الذي قاله بوريطة عن الفيتو الروسي؟ أكد أن المغرب كان على علم مسبق باحتمال استخدام روسيا حق النقض، وأن موسكو أبلغت الرباط بتوجهها، وأن المملكة تعاملت مع الأمر كمقاربة استباقية وفرصة لإعادة النظر في قواعد التعاطي الأممي مع الملف.
من يرأس بعثة المينورسو التي انتهت ولايتها؟ يرأسها ألكسندر إيفانكو، الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة المينورسو، وهو دبلوماسي روسي، وهو ما يجعل الفيتو الروسي مفارقة لافتة بحسب قراءة الوزير.
كيف صوّت مجلس الأمن على مشروع القرار الأمريكي؟ حظي المشروع بدعم 11 عضوا، مقابل استخدام روسيا حق النقض، وامتناع ثلاثة أعضاء عن التصويت، وهي نتيجة اعتبرها بوريطة مؤشرا على اتساع دائرة الدعم الدولي للمقاربة المغربية.
هل يعني ذلك نهاية اختصاص مجلس الأمن في ملف الصحراء؟ لا؛ أوضح بوريطة أن الأمر يتعلق بالاجتماعات الدورية المخصصة لمتابعة عمل البعثة وتجديد ولايتها، دون أن يعني انتهاء اختصاص المجلس في القضايا المرتبطة بالسلم والأمن الدوليين.
اقرأ أيضا: الديوان الملكي: عدم تمديد المينورسو يطوي 35 سنة — ومجلس الأمن الدولي يدعم مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
النهار24 – حميد الكمالي ـ تابعوا جديد أخبار النهار24 على : GOOGLE NEWS
حميد الكمالي — النهار 24
جريدة إلكترونية مغربية تصدر على مدار الساعة · alnahar24.com
ملخّص أهم الأخبار يصلك بالبريد كل ثلاث ساعات. يمكنك إلغاء الاشتراك في أي وقت.
بالاشتراك أنت توافق على استلام رسائل بريدية من النهار 24 (القانون 09-08). لا نشارك بريدك مع أي جهة.




